نورالدين علي بن أحمد السمهودي

29

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

أصحاب مسجد الضّرار قد كانوا أتوه وهو يتجهّز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدّا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ، وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه ، فقال : إني على جناح سفر وحال شغل ، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه ، فلما قفل ونزل بذي أوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار ، فدعا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مالك ابن الدخشم ومعن بن عدي ، أو أخا عاصم بن عدي ، فقال : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه واحرقاه ، فانطلقا مسرعين ففعلا وحرقاه بنار في سعف . وفي رواية ذكرها البغوي أن الذين أمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بهدمه وإحراقه انطلقوا سريعا حتى أتوا سالم بن عوف ، وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك : انظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهالي ، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخيل ، فأشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه ، وتفرق عنه أهله وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يتخذ ذلك كناسة تلقي فيها الجيف والنتن والقمامة . وقال ابن النجار : هذا المسجد بناه المنافقون مضاهاة لمسجد قباء ، وكانوا يجتمعون فيه ويعيبون النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويستهزءون به . أسماء بناة مسجد الضرار قال ابن إسحاق : وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا : خدام بن خالد ، وهو من بني عبيد بن زيد بن مالك ومن داره أخرجه ، وثعلبة بن حاطب من بني أمية بن زيد أي أحد بني عمرو بن عوف ، ومعتّب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد ، وأبو حبيبة بن الأذعر ، وعياد بن حنيف من بني عمرو بن عوف ، وجار بن عامر ، وابناه مجمع وزيد ، ونبتل بن الحارث ، ومخرج ومجاد بن عثمان ، سبعتهم من بني ضبيعة ، ووديعة بن ثابت من بني أمية بن زيد ، انتهى . وقال بعضهم : إن رجالا من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف كان فيهم نفاق حسدوا قومهم بني عمرو بن عوف ، وكان أبو عامر المعروف بالراهب - وسماه النبي صلى اللّه عليه وسلم بالفاسق - منهم . قلت : وهو من بني ضبيعة أحد بني عمرو بن عوف من الأوس ، وتقدم أن بني غنم ابن عوف وبني سالم بن عوف من الخزرج وليسوا بقباء ، ففي هذا القول نظر . قال : فكتب أبو عامر وهو بالشام إلى المنافقين من قومه أن يبنوا مسجدّا مقاومة لمسجد قباء وتحقيرا له ، فإني سآتي بجيش أخرج به محمدا وأصحابه من المدينة فبنوه وقالوا : سيأتي أبو عامر ويصلي فيه ، ونتخذه متعبدا ، وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ التوبة : 107 ] .